في اواخر الستينيات تقدم العمر ب" بَّا المحضي"...و
لم يستطع المضي الى حيث كان يمضي ..كان حين يكون الجو مشمسا يخرج و يجلس
متوكئا على جدار ذاك المنزل... كان المحسنون من الجوار و منهم مسعود الحلاق يعتنون
به... كان مسعود مرة كل شهر يحمل أدواته و يحلق راسه و يشذب لحيته و كان أحدهم
يتولى دفع أجرة الحمام فيقتاد اليه ... و منهم من كان يأتيه بملابس و كذلك نشأت
بينه و أولئك المحسنين علاقة كانت متعذرة على مدى كل السنين التي فاتت...
مهمشون...في هوامش المجتمعات حياة
تدب مهمشون كان الهامش اختيارا لهم و اخرون ما
كان
لديهم من بديل عيون حزينة حينا حانقة احيانا وجوه شاحبة تلازم مناطق الظل و
اجساد
حين تتعب تستلقي على الرصيف و في صمت هذا العالم الذي يحاكي صمت القبور
تحدث
صرخات ناقمة غاضبة قد لا تسمع الى حين يأتي الهامش يخترق المجتمع يمنحه و لو
للحظة
اقاعه و الوانه
مهمشون
يكتبها و يقدمها عبد الصادق بن عيسى .
بَّا المحضي...
كل الاطفال الذين كبروا الان و صاروا كهولا يذكرون ذلك
المنزل الخرب الذي يحتل الزاوية في أحد الدروب المتفرعة عن الشارع المعروف الان
بشارع أنفا ... لم يكن أحد منهم يجرأ على الاقتراب من الباب... نحن في خمسينيات و
مطلع ستينيات القرن الماضي في حي السواني في طنجة... اغلب البيوت اكواخ من خشب و
قصدير ... في الجوار مساحات لم تكن بنيت من بعد يزرع أغلبها قمحا...تلك ذكريات
بعيدة الان و لكن أحمد البقال لا يفتأ يستحضرها و يحكي منها لأبنائه ...كان يسكن
ذاك المنزل الخرب رجل يسكن وحيدا ينادونه " بَّا المحضي" حين كان يسال
عن أصل هذا الاسم ...الذي يثير استغراب الصغار لم يكن يجد جوابا الا ان يقول ان
ذاك الرجل كانوا يعدونه السكان من اولئك المجاذيب الذين يزعمون ان لهم كرامات او
انهم يقذرون على القيام بما قد يعد من الخوارق ...يكف الصغار عن سؤال ابيهم ...
لعلهم لم يقتنعوا...و لعلهم امسكوا عن اسئلة اخرى مستعجلين بقية الحكاية ...قال
احمد البقال انه اضطر مرة الاختباء تحت رداء امه المعروف بالحايك حينما كان في
طريقهما لزيارة اقارب و مروا بالقرب من ذلك البيت الخرب الذي لم تكن لبيته مصاريع
و لا لبابه دفة ... يومها راه للمرة الاولى فيما يذكره ...كن ذا شعر شعث كثيف و
لحية رمادية تدلت في غير تناسق لم تشذب منذ زمن بعيد ...يذكر و قد مرت سنوات بعد
ذلك ان " بَّا المحضي" كان لا ينفصل عن جلباب يذكر الناظر اليه انه كان
ابيض ذات يوم ...و كما خافه احمد البقال كان يهابه الطفال الذين يسكنون في
الجوار ... يشبه الغموض الذي يلف حياة " بَّا المحضي"الذي قدر بعضهم انه
كان زمنئذ في الخمسين او الستين ذاك الغموض الذي بقي يحيط قصة المنزل الخرب ...
كان البيت الوحيد المشيد من حجر...هناك من قال ان احد المعمرين الاسبان بناه
ليتخذه سكنا ثانويا ...المسنون من السكان قالوا مرة ان ذلك الاسباني الذي كان يأتي
الى المنزل رفقة زوجته اختفى فجأة هو و زوجته في مستهل ستينيات القرن الماضي ... و
ان المنزل ضل مقفلا سنسن عديدة قبل ان يدب اليه الاهمال ... ثم ظهر الذي سيصير
ينادى ب" بَّا المحضي"... تقول تلك الحكايات القديمة انه" بَّا المحضي"يسكن
ذلك المنزل الخرب رفقة جنية تزوجته ... و احيانا يقولون سكنته و كانت مبالغات
البعض تضيف الى عجيب ما يروى عن ذلك المنزل حديثا عن اصوات غريبة تسمع مرات في بطن
الليل ... النساء و الاطفال كانوا الاكثر تصديقا لما كان يقال ... وكانوا الشد
خوفا من منزل " بَّا المحضي" ... لا تعرف للرجل عائلة... و قيل
انه جاء من القصر الكبير... وقيل ايضا انه جاء من مراكش سيرا على الاقدام ...قيل
الكثير ... يغادر با المحضي البيت ضحى ... في اغلب الايام يحترم ذلك الموعد و يعود
بعيد الزوال ثم يغادر عصرا و يأتي بعد العشاء كان يعلم حضوره من ضوء الشمع
الذي يوقده لينير مثواه ...كان من المجاورين له من يعطيه الطعام يأخذه و لا يقول
شيئا ... لم يكن ذلك يزعجهم لم يكن يؤذي احدا الا ما كان من مظهره الذي يخيف
الصغار و النساء ...كانوا يتحاشونه ان ظهر صدفة في طريقهم و كان هو يتفادى الشبان
...حين يصادفهم ينظر اليهم نظرة خائف ...لا يتوقف... و يدخل المنزل الخرب ... كان
من بين اولئك الشبان عبد القادر العماشي المعروف ب التريس ...كان في السادسة
و العشرين ...لم يكن قد تزوج من بعد كانت حالته تثير استغراب الكثيرين...كان
الشبان يتزوجون في وقتئذ في سن مبكرة...قال انه تحين ذات مرة فرصة غياب با المحضي
عن سكنه فتسلل اليه ... كان الوقت يقترب من المغرب ... كان معه ثلاثة من اصحابه
ظلوا بعيدا يرقبونه و هو يمضي الى تلك المغامرة ...و ما ان اخترق الباب حتى سمع
صراخه ...اصيب اصحابه برعب شديد ...تريثوا قليلا ... ثم لما تكرر صراخ التريس فروا
عدوا بين الاكواخ و قد ظنوه ضاع ...جائهم في الغد ...عيرهم بجبنهم اذ تخلوا عنه لم
يكن بمقدورهم سوى ابتلاع لومه ...ثم استدرجه احدهم و قد هدا قليلا الى ان يحكي له
الذي حدث ...صمت قليلا ... و كانه يستحضر تلك اللحظات التي يتصورها اصحابه عسيرة
...لعله كان يرتب افكاره ...لينسج لنفسه قصة بطولة ...قال انه ما ان ابتلعه باب
المنزل وجد نفسه في غرفة بلبها على اليمين كان هناك بساط على الارض ... فجاة انيرت
الغرفة ... توقف يسالهم ان راوا النور من الخارج ... قال احدهم و هو يعلم انه يكذب
انه راه ... اذ ذاك واصل التريس روايته ...لما انيرت الغرفة رأيت على ذلك البساط
كائنا غريبا ...كانت له قوائم بقرة و راس حصان ... توقف مرة اخرى ...و رسم على
ملامحه ما يذكر بالفزع الذي الم به لحظتما ... ثم استأنف اردت ان اهرب ... و
لكن ذلك الكائن امسك بي لست ادري كيف.... و لكنه امسك بي ... لا اذر شيئا اخر غير
اني وجدت نفسي خارج المنزل ... في اللحظة التي فتحت فيها عيناي راي " بَّا
المحضي" يدخل ...نظر الي دون كثير مبالاة ...ثم اختفى داخل المنزل...كانوا
ينصتون اليه في صمت ...ثم القى بقوله ان ذلك المنزل مأهول بالجن تماما كما قال
كثيرون من قبل ...حين اتى احمد البقال على ذكر تلك القصة احس بالصغار
ينتابهم الخوف ... كما كان ينتابه هو لما كان طفلا ... لم يعد من اثر لذلك المنزل
و لكنه كما الذين جايلوه لازال يستطيع تحديد مكانه ... لم يعد الحي اكواخا كما كان
...بل كتلب اسمنت غشيت التلة ...غطتها بالكامل
في اواخر الستينيات تقدم العمر ب با المحضي ...و لم
يستطع المضي الى حيث كان يمضي ..كان حين يكون الجو مشمسا يخرج و يجلس متوكئا
على جدار ذاك المنزل... كان المحسنون من الجوار و منهم مسعود الحلاق يعتنون به...
كان مسعود مرة كل شهر يحمل ادواته و يحلق راسه و يشذب لحيته و كان احدهم يتولى دفع
اجرة الحمام فيقتاد اليه ... و منهم من كان يأتيه بملابس و كذلك نشأت بينه و أولئك
المحسنين علاقة كانت متعذرة على مدى كل السنين التي فاتت..
و ذات مساء بين ما كان مسعود الحلاق يحلق راسه بالموسة و
كان الوقت صيفا التفت اليه و قال له ... اريد ان اقول لك شيئا ... لم يكد الحلاق
مسعود يصدق ما كان يسمعه من ذاك الذي كان ينادونه أيضا المجدوب ... لم ينتظر
منه انتباها ... قال الشيخ ...انه صمت ما يكفي...عليه ان يتكلم اليوم ... توقف
مسعود عن الحلاقة ... و في يده الموسة ...كان قد حلق ثلثي الراس ... اظن ان
النهاية اقتربت ...قال " بَّا المحضي" ... السنوات الطويلة التي عشتها
بين اهل هذا الحي كانت همة في حياتي ...ليس بي جنون ...انما هي الضرورة دعتني الى
ان احيا كما عرفتموني ...يصغي الحلاق ل " بَّا المحضي" و قد تملكه العجب
...الشيخ الذي امامه يبدو عارفا بما يريد قوله ...وضع كفه الايسر على ام راسه ...و
اقتطع بموساه جزءا مما تبقى من شعر في راس الرجل ...الذي واصل حديثه و هو مطاطا
راسه ...اعرف ان الناس هنا تساءلوا ...و يتساءلون عن من اكون ...و من اين
اتيت ... الان حان الوقت لأقول لك ... و لان تقول لهم...ان "
بَّا المحضي" نطق اخيرا ...اسمي عياد بن جيلالي ...انا من احواز مراكش
...انتهى بي الهروب الى طنجة ...بعد ان قتلت عما لي اراد ان يستحوذ على الارض التي
ورثتها عن والدي ...نعم قتلته ... وكنت اهم بدفن جثته فرآني احد سكان القرية لم
يخامرني شك بانه سيشي بي ...جريت خلفه و كدت ادركه ...اصبته بجرح في كتفه...... و
لكنه تمكن من الافلات...لم يكن لدي من شك انهم سيلحقون بي و سيقتلونني ... قررت
الهرب...و لم اكن مستعدا له...صرت اخشى ان يفتضح امري لست ادري كم مر من
اعوام...لكنني اعرف انها اعوام عديدة ...لما فرغ مسعود من حلاقة راسه...اعتدل
الشيخ في جلسته وقال ... الناس يظنون ان المنزل مأهول بالجن...كلا...انهم كانوا
يوهمون ذلك...بعد ثلاثة ايام...لوحظ ان " بَّا المحضي" لم يعد يخرج
ليجلس بجوار باب البيت الخرب...ثم اكتشف عصرا و قد فارق الحياة...تناقل الناس
حكايته...كم رواها الحلاق مسعود...و كذلك رواها احمد البقال لأبنائه...
النهاية.


جميل
RépondreSupprimerجميل
Supprimer