في هوامش
المجتمعات حياة تدب ، مهمشون كان الهامش اختياراً لهم واخرون ما كان لديهم من بديل
،عيونٌ حزينةٌ حيناً حنقةٌ أحياناً ، وجوهٌ شاحبةٌ تلازم مناطق الظل ، وأجساد حين
تتعب تستلقي على الرصيف ...وفِي صمت هذا العالم الذي يحاكي صمت القبور تحدث صرخاتٌ
ناقمةٌ غاضبةٌ قد لا تسمع الى حين يأتي الهامش يخترق المجتمع ، يمنحه ولو للحظة
إيقاعه وألوانه ....
مهمّشون ،
قِصص يكتبها ويقدمها " عبد الصادق بن عيسى
* بائــــع جَبـــــانْ
*
اعتاد عبد الرحمن المرسى على القدوم الى مدينته
أصيلة كل صيف لقضاء العطلة ، لا ينفك الرجل الذي يبلغ الان من العمر اثنين وستين
عاماً يردد ان العطلة تكون في نظره منقوصةً إن لم يقضيها في أصيلة ...ربما بالغ في
حديثه ، ولكن حبه الشديد لمدينته تلك يدفعه الى ان يقول ما يقوله ،مثل عبد الرحمن
يوجدون في كل أنحاء البلاد وفِي كل البلدان.
في العام ١٩٩٤ كان عبد الرحمن المرسى قد أتم عامه الأربعين في مهجره ببلجيكا ،كل أولاده الثمانية ولدوا هناك وكلهم يعرفون أصيلة إذ كان يصحبهم معه لما كانوا صغارا ، كان واحداً من المهاجرين الذين يُضطَرهم العدد الكبير لأفراد أسرهم الى شراء سيارات كبيرة ،الآن صار كل واحد من أبنائه مستقلاً بذاته ومنهم من تزوجوا وأنجبوا له أحفاداً ، صار منذ عدة أعوام الان يسافر وحيداً او برفقة زوجته رحيمو بنت جيرانهم في أصيلة التي شغف بها ....
حين لا ترافقه في رحلاته الى أصيلة التي يرفض التنازل عنها بل انه يرفض ان يساومه أي كان في شأنها يكون لديه من الوقت ما يكفي للقاء بأصدقاء الطفولة التي ولت منذ عقود ، وبحضورهم تحضر تلك الذكريات الغابرة ،تلك التي يعدها هو وأصدقائه من لازال منهم على قيد الحياة زمنهم الجميل الذي يشدهم الحنين اليه بقوة لا يستطيعون مقاومتها ....
يُمضي أولئك الأصدقاء القدامى كل يوم ساعاتٍ من المساء ويمتد بهم السمر حتى يقترب الفجر ، في اغلب الأيام يبدأ السمر بوجبة عشاءٍ أساسها طجين سمك... كان البشير الذي يلقبونه الروبيو المتقاعد من المكتب الوطني للسكك الحديدية هو من يتولى امر إعداد " التاگرا " كذلك يسمونها ،يحملها قبيل المغرب الى فرن شعبي قريب ...
كان الفرّان " الحسن " من أمهر الفرّانين يعلمون جميعهم ان طجين السمك حين ينتهي الى يده لا يُخشى عليه احتراقاً ولا إفسادا لمذاقه . تكاد تتشابه ليالي السمر التي يُمضيها عبد الرحمن مع أصحابه من أبناء المدينة القديمة ، وجوه كثيرة غابت عن أصيلة ،منها من غيّبها الموت وظلت ذكراها حاضرةً كلمات ومواقف ،ومنها من انتقلت للعيش في مدن أخرى او في بلدان أخرى وانقطعوا عن المدينة ولَم يعد يذكرهم الا من كانوا له أصدقاء في زمن ولّى ...
ذات صباح من غشت من العام ١٩٩٤ وقد قُدِم عبد الرحمن بمفرده الى أصيلة لقضاء العطلة قرر الذهاب الى الشاطئ ، في حسابه ان يستمتع بالبحر قبل ان يكتظ بالمصطافين، وهو يغادر منزل عائلته يحمل قفة بها ماء ومشروب غازي وبعض الأكل التقى العسري جاره القديم وكان هو الاخر يهم بالذهاب الى الشاطئ ، وكذلك اتفقا على الذهاب سوياً ،وبينما كانا في الطريق الى موقف السيارات حيث يركن عبد الرحمن سيارته ذات الألواح المعدنية المكتوبة بالأحمر بدا لهما ان يمضيا في يومهما ذاك الى شاطئ اقواس بريْشْ ، شاطئ يتيح امتداده مكانا لكل من أراد الاستمتاع بحرارة شمس غشت التي يقال إن أشعتها تشفي أسقاماً كثيرة منها الروماتيزم كما هو مشخّص في عرف العامة .
تحمّل الرجلان صعوبة المشي على الرمال الناعمة يريدان الابتعاد عن مجموعة من المصطافين ثم بدا لهما مكان مناسب لما يريدانه ، أخرج عبد الرحمن العصا المعدني لمظلته وطعن به الرمل الذهبي ،ثم نصب المظلة ... قال له صاحبه إنهما محظوظان إذ لم تكن الرياح تهب بقوة في ذلك اليوم ، أرسل على الرمل فوطة بها رسوم متداخلة وفعل صاحبه مثله ثم من محفظة كتلك التي تسخر لجمع أدوات الاستحمام اخرج قنينة بلاستيكية بها مادة تقي من أشعة الشمس ، كان العسري يتابع ببعض الاهتمام ما يقوم به صديقه القادم من بلجيكا وقد يكون الفضول يدفع به الى متابعة حركات الستيني أو إنه كان يتوقع ان يُخرج من تلك المحفظة ذات اللون الأزرق كلون البحر منتوجاً لا يصادفه في أسواق أصيلة ، طلب منه ان يمسح له ظهره بذلك المنتوج ، كانت رائحته مقبولة ، حين فرغ من ذلك وحتى يكافئه طلب منه ان يتمدد على بطنه فقام بنشر تلك المادة على أعلى ظهره وذراعيه وساقيه، تمدد الاثنان وقد وضع كل منهما قبعةً على رأسه ، ظل عبد الرحمن كما كان يفعل صغيراً ينظر الى الأفق البعيد الذي لا تدركه عيناه ...هو السراب يتراقص ، لا احد يمضي على الرمل في تلك الجهة التي ينظر اليها ، في الجهة الأخرى مجموعة المصطافين تبدوا بعيدة بما يكفي ، عدا ذلك لا شيئ ...حتى النوارس راحت تأخذ قسطاً من الراحة او هي مضت بعيداً تحلق فوق الموج الذي يتردد على الشاطئ المديد... أغفى عبدا الرحمن وقد ظن ان رفيقه أغفى قبله إذ لم يعد يسمع منه حديثاً ، ولما فتح عينيه ولَم يكن يدري كم مضى من الوقت رأى ان المشهد الذي أغمض عليه عينيه لم يتغير ، في الأفق البعيد يواصل السراب رقصاته التي قد تغوي الظمئان ، نظر الى الجهات الأخرى ولم يرى شيئا ثم وهو يهم بإغماض عينيه من مكان قريب سمع صوتاً يعرض " كاوْ كاوْ " الفول السوداني، نهض من مكانه واستوى قاعداً ، بسمل وقرأ المعوذتين وهو يتسائل من أين أتى هذا الذي يعرض "الكاوْكاوْ" ....
رأى أمامه رجلاً تنزع قامته الى القِصر ، سرواله الذي طوي الى ما فوق الكعبين يقوّي الانطباع بان الذي أمامه قصير القامة ، يحمل الرجل في يده قفة نسجت من نبتة الدّوم وقد ملئت عن اخرها بالفول السوداني الذي يعد من المنتوجات التي تشتهر بها أصيلة ، على رأسه قبعة من ورق تنتهي حادّة فوق أم راْسه . وقف الرجل على بعد خطوات ، وضع قفته على الرمل وصار ينظر اليه وهو يبتسم ، ولما راه فزعاً أعاد عدى مسمعه تلك اللازمة " كاوْكاوْ " اندفع العسري جالساً هو الاخر ، لعل بائع الفول السوداني ايقضه من نوم لن يجد احلى منه في مكان اخر ، لما عاد الى نفسه سأل عبد الرحمن بائع " الكاوكاو " عما اذا كان وصل أدى جوارهما محلقاً .
ابتسم الرجل ابتسامة من استعد لتحمل كل ما قد يصدر عن من يعرض عليهم بضاعته ، ثم قال : جئت مشياً من هناك ، وأشار الى جهة النهر ، وحتى يلطّف الجو تدخل العسري وطلب منه ان يعد لكل منهما درهمين من الكاو كاوْ ، ثم ما لبث الرجل ان انصرف آخذا وجهة تلك المجموعة من المصطافين ، انهمك عبد الرحمن وصديقه في أكل الكاوكاو وتأمل البحر ، الموج يأتي لينهي رحلته ملقيا بنفسه على شاطئ بلون الذهب ... وفجأة من خلفهما وكأنه انبعث من الرمل جاء صوت يعرض " جبانْ كُولْ اوبانْ " تلك الحلوى المغربية التي يقوم باعتها بإلصاقها على عصا غليظة من قصب البامبو ، يغلب على تلك الحلوى اللون الأبيض ، ولكن هناك من يجتهد في زخرفتها بخطوط من الحلوى المصبوغة بالأحمر ، وقف امامهما رجل نحيف مديد القامة، بسحنته سمرة ، ألقى بالسلام ... ابتسم فظهرت كاملة اسنانه ناصعةُ البياض وبيده سكين لم يعد منه الا المقبض وجزء غير طويل من شفرته ، وهو السكين الذي يستعمله اغلب من يبيعون " جبان كولْ او بان " .
كان العسري هو من اخذ المبادرة مرة اخرى، طلب درهماً لكلٍ منهما من تلك الحلوى التي تثير لعاب الصغار والكبار على حد سواء ، ولكن عبد الرحمن وهو ينظر الى الرجل ظن ان ذاك الوجه ليس غريباً عنه ، لا يدري كيف حضره اسمه باتلك السرعة .
وقف وهو ينظر اليه ثم بلا تقديم ولا تمهيد سأله : ألستَ عبد القادر ؟
عبد القادر من يا سيدي ؟؟
عبد القادر ... ألم تسكن في وقتٍ ما في باب الحُومر ؟؟ ... بدا الرجل وقد فاجئه ان يكون هذا الواقف أمامه يعرف شيئاً عنه...لم يكن لديه مجال كبير للتهرب ... نعم لقد سكنت عائلتي في باب الحومر في ما مضى .
أو ألم تعرفني ؟
لا يا سيدي ...
ألست ابن يامنة ؟؟
فاليرحمها الله .....
أنا اخوك عبد الرحمن ... لقد أرضعتني أمك وكنت اعتبرها اماً لي .
عانقه وضرب له موعداً في المساء في مقهى يعرفها ، يومها اكتشف عبدالرحمن ان عبد القادر بائع " جبانْ" إنما غاب عن أصيلة لانه كان معتقلاً ...حكى له كيف اتهم بقتل رجل في المدينة القديمة اذ ضبط وهو يحاول مساعدته .
قال له انه كان يعاني من جرح غائر على مستوى الرقبة ،وان أناس اكتشفوه وهو يحاول إنهاضهه فشهدوا زوراً بانه من طعنه وبأنه من كان يحاول سرقة ما كان معه من مال ، كان العسري يتابع الحديث باهتمام . ولما أنهى بائع جبان حديثه قال العسري ان الذي قتل ذلك الرجل مات قبل بضعة أشهر في حادثة سير.
في العام ١٩٩٤ كان عبد الرحمن المرسى قد أتم عامه الأربعين في مهجره ببلجيكا ،كل أولاده الثمانية ولدوا هناك وكلهم يعرفون أصيلة إذ كان يصحبهم معه لما كانوا صغارا ، كان واحداً من المهاجرين الذين يُضطَرهم العدد الكبير لأفراد أسرهم الى شراء سيارات كبيرة ،الآن صار كل واحد من أبنائه مستقلاً بذاته ومنهم من تزوجوا وأنجبوا له أحفاداً ، صار منذ عدة أعوام الان يسافر وحيداً او برفقة زوجته رحيمو بنت جيرانهم في أصيلة التي شغف بها ....
حين لا ترافقه في رحلاته الى أصيلة التي يرفض التنازل عنها بل انه يرفض ان يساومه أي كان في شأنها يكون لديه من الوقت ما يكفي للقاء بأصدقاء الطفولة التي ولت منذ عقود ، وبحضورهم تحضر تلك الذكريات الغابرة ،تلك التي يعدها هو وأصدقائه من لازال منهم على قيد الحياة زمنهم الجميل الذي يشدهم الحنين اليه بقوة لا يستطيعون مقاومتها ....
يُمضي أولئك الأصدقاء القدامى كل يوم ساعاتٍ من المساء ويمتد بهم السمر حتى يقترب الفجر ، في اغلب الأيام يبدأ السمر بوجبة عشاءٍ أساسها طجين سمك... كان البشير الذي يلقبونه الروبيو المتقاعد من المكتب الوطني للسكك الحديدية هو من يتولى امر إعداد " التاگرا " كذلك يسمونها ،يحملها قبيل المغرب الى فرن شعبي قريب ...
كان الفرّان " الحسن " من أمهر الفرّانين يعلمون جميعهم ان طجين السمك حين ينتهي الى يده لا يُخشى عليه احتراقاً ولا إفسادا لمذاقه . تكاد تتشابه ليالي السمر التي يُمضيها عبد الرحمن مع أصحابه من أبناء المدينة القديمة ، وجوه كثيرة غابت عن أصيلة ،منها من غيّبها الموت وظلت ذكراها حاضرةً كلمات ومواقف ،ومنها من انتقلت للعيش في مدن أخرى او في بلدان أخرى وانقطعوا عن المدينة ولَم يعد يذكرهم الا من كانوا له أصدقاء في زمن ولّى ...
ذات صباح من غشت من العام ١٩٩٤ وقد قُدِم عبد الرحمن بمفرده الى أصيلة لقضاء العطلة قرر الذهاب الى الشاطئ ، في حسابه ان يستمتع بالبحر قبل ان يكتظ بالمصطافين، وهو يغادر منزل عائلته يحمل قفة بها ماء ومشروب غازي وبعض الأكل التقى العسري جاره القديم وكان هو الاخر يهم بالذهاب الى الشاطئ ، وكذلك اتفقا على الذهاب سوياً ،وبينما كانا في الطريق الى موقف السيارات حيث يركن عبد الرحمن سيارته ذات الألواح المعدنية المكتوبة بالأحمر بدا لهما ان يمضيا في يومهما ذاك الى شاطئ اقواس بريْشْ ، شاطئ يتيح امتداده مكانا لكل من أراد الاستمتاع بحرارة شمس غشت التي يقال إن أشعتها تشفي أسقاماً كثيرة منها الروماتيزم كما هو مشخّص في عرف العامة .
تحمّل الرجلان صعوبة المشي على الرمال الناعمة يريدان الابتعاد عن مجموعة من المصطافين ثم بدا لهما مكان مناسب لما يريدانه ، أخرج عبد الرحمن العصا المعدني لمظلته وطعن به الرمل الذهبي ،ثم نصب المظلة ... قال له صاحبه إنهما محظوظان إذ لم تكن الرياح تهب بقوة في ذلك اليوم ، أرسل على الرمل فوطة بها رسوم متداخلة وفعل صاحبه مثله ثم من محفظة كتلك التي تسخر لجمع أدوات الاستحمام اخرج قنينة بلاستيكية بها مادة تقي من أشعة الشمس ، كان العسري يتابع ببعض الاهتمام ما يقوم به صديقه القادم من بلجيكا وقد يكون الفضول يدفع به الى متابعة حركات الستيني أو إنه كان يتوقع ان يُخرج من تلك المحفظة ذات اللون الأزرق كلون البحر منتوجاً لا يصادفه في أسواق أصيلة ، طلب منه ان يمسح له ظهره بذلك المنتوج ، كانت رائحته مقبولة ، حين فرغ من ذلك وحتى يكافئه طلب منه ان يتمدد على بطنه فقام بنشر تلك المادة على أعلى ظهره وذراعيه وساقيه، تمدد الاثنان وقد وضع كل منهما قبعةً على رأسه ، ظل عبد الرحمن كما كان يفعل صغيراً ينظر الى الأفق البعيد الذي لا تدركه عيناه ...هو السراب يتراقص ، لا احد يمضي على الرمل في تلك الجهة التي ينظر اليها ، في الجهة الأخرى مجموعة المصطافين تبدوا بعيدة بما يكفي ، عدا ذلك لا شيئ ...حتى النوارس راحت تأخذ قسطاً من الراحة او هي مضت بعيداً تحلق فوق الموج الذي يتردد على الشاطئ المديد... أغفى عبدا الرحمن وقد ظن ان رفيقه أغفى قبله إذ لم يعد يسمع منه حديثاً ، ولما فتح عينيه ولَم يكن يدري كم مضى من الوقت رأى ان المشهد الذي أغمض عليه عينيه لم يتغير ، في الأفق البعيد يواصل السراب رقصاته التي قد تغوي الظمئان ، نظر الى الجهات الأخرى ولم يرى شيئا ثم وهو يهم بإغماض عينيه من مكان قريب سمع صوتاً يعرض " كاوْ كاوْ " الفول السوداني، نهض من مكانه واستوى قاعداً ، بسمل وقرأ المعوذتين وهو يتسائل من أين أتى هذا الذي يعرض "الكاوْكاوْ" ....
رأى أمامه رجلاً تنزع قامته الى القِصر ، سرواله الذي طوي الى ما فوق الكعبين يقوّي الانطباع بان الذي أمامه قصير القامة ، يحمل الرجل في يده قفة نسجت من نبتة الدّوم وقد ملئت عن اخرها بالفول السوداني الذي يعد من المنتوجات التي تشتهر بها أصيلة ، على رأسه قبعة من ورق تنتهي حادّة فوق أم راْسه . وقف الرجل على بعد خطوات ، وضع قفته على الرمل وصار ينظر اليه وهو يبتسم ، ولما راه فزعاً أعاد عدى مسمعه تلك اللازمة " كاوْكاوْ " اندفع العسري جالساً هو الاخر ، لعل بائع الفول السوداني ايقضه من نوم لن يجد احلى منه في مكان اخر ، لما عاد الى نفسه سأل عبد الرحمن بائع " الكاوكاو " عما اذا كان وصل أدى جوارهما محلقاً .
ابتسم الرجل ابتسامة من استعد لتحمل كل ما قد يصدر عن من يعرض عليهم بضاعته ، ثم قال : جئت مشياً من هناك ، وأشار الى جهة النهر ، وحتى يلطّف الجو تدخل العسري وطلب منه ان يعد لكل منهما درهمين من الكاو كاوْ ، ثم ما لبث الرجل ان انصرف آخذا وجهة تلك المجموعة من المصطافين ، انهمك عبد الرحمن وصديقه في أكل الكاوكاو وتأمل البحر ، الموج يأتي لينهي رحلته ملقيا بنفسه على شاطئ بلون الذهب ... وفجأة من خلفهما وكأنه انبعث من الرمل جاء صوت يعرض " جبانْ كُولْ اوبانْ " تلك الحلوى المغربية التي يقوم باعتها بإلصاقها على عصا غليظة من قصب البامبو ، يغلب على تلك الحلوى اللون الأبيض ، ولكن هناك من يجتهد في زخرفتها بخطوط من الحلوى المصبوغة بالأحمر ، وقف امامهما رجل نحيف مديد القامة، بسحنته سمرة ، ألقى بالسلام ... ابتسم فظهرت كاملة اسنانه ناصعةُ البياض وبيده سكين لم يعد منه الا المقبض وجزء غير طويل من شفرته ، وهو السكين الذي يستعمله اغلب من يبيعون " جبان كولْ او بان " .
كان العسري هو من اخذ المبادرة مرة اخرى، طلب درهماً لكلٍ منهما من تلك الحلوى التي تثير لعاب الصغار والكبار على حد سواء ، ولكن عبد الرحمن وهو ينظر الى الرجل ظن ان ذاك الوجه ليس غريباً عنه ، لا يدري كيف حضره اسمه باتلك السرعة .
وقف وهو ينظر اليه ثم بلا تقديم ولا تمهيد سأله : ألستَ عبد القادر ؟
عبد القادر من يا سيدي ؟؟
عبد القادر ... ألم تسكن في وقتٍ ما في باب الحُومر ؟؟ ... بدا الرجل وقد فاجئه ان يكون هذا الواقف أمامه يعرف شيئاً عنه...لم يكن لديه مجال كبير للتهرب ... نعم لقد سكنت عائلتي في باب الحومر في ما مضى .
أو ألم تعرفني ؟
لا يا سيدي ...
ألست ابن يامنة ؟؟
فاليرحمها الله .....
أنا اخوك عبد الرحمن ... لقد أرضعتني أمك وكنت اعتبرها اماً لي .
عانقه وضرب له موعداً في المساء في مقهى يعرفها ، يومها اكتشف عبدالرحمن ان عبد القادر بائع " جبانْ" إنما غاب عن أصيلة لانه كان معتقلاً ...حكى له كيف اتهم بقتل رجل في المدينة القديمة اذ ضبط وهو يحاول مساعدته .
قال له انه كان يعاني من جرح غائر على مستوى الرقبة ،وان أناس اكتشفوه وهو يحاول إنهاضهه فشهدوا زوراً بانه من طعنه وبأنه من كان يحاول سرقة ما كان معه من مال ، كان العسري يتابع الحديث باهتمام . ولما أنهى بائع جبان حديثه قال العسري ان الذي قتل ذلك الرجل مات قبل بضعة أشهر في حادثة سير.
نظر اليه عبد القادر بعينين مفتوحتين الى
حدودهما القصوى ولم يعقب ....


Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire